ابو القاسم عبد الكريم القشيري
551
الرسالة القشيرية
وإذا وقع بين قوم عادتهم طرح الخرقة ، وعلم أنهم يرجعون فيها ، فأن لم يكن فيهم شيخ تجب حشمته وحرمته ، وكان طريق هذا المريد أن لا يعود في الخرقة فالأحسن له أن يساعدهم في الطرح ، ثم يؤثر به القوال إذا رجعوا هم فيها « 1 » ، ولو لم يطرح ؛ فإنه يجوز إذا علم من عادة القوم أنهم يعودون فيما طرحوا فإن القبيح إنما هو سنتهم في العود إلى الخرق ، لا في مخالفته لهم . على أن الأولى الطرح على الموافقة ، ثم ترك الرجوع فيه . ولا يسلم للمريد البتة التقاضى « 2 » على « 3 » القوال ؛ لأن صدق حاله يحمل القوال على التكرار ، ويحمل غيره على الافتضاء . ومن تبرك بمريد فقد جار عليه ، لأنه يضره لقلة قوته ، فالواجب على المريد ترك تربية الجاه « 4 » عند من قال بتركه وإثباته . فصل وإن ابتلى مريد بجاه ، أو معلوم ، أو صحبة حدث ، أو ميل إلى امرأة ، أو استنامة إلى معلوم ، وليس هناك شيخ يدله على حيلة يتخلص بها من ذلك ، فعند ذلك حل له السفر والتحول عن ذلك الموضع ، ليشوش على نفسه تلك الحالة . ولا شئ أضر بقلوب المريدين من حصول الجاه لهم قبل خمود بشريتهم . ومن آداب المريد : أن لا يسبق علمه في هذه الطريقة منازلته « 5 » ، فإنه إذا تعلم سير هذه الطائفة ، وتكلف الوقوف على معرفة مسائلهم وأحوالهم قبل تحققه بها بالمنازله والمعاملة بعد وصوله إلى هذه المعاني ، ولهذا قال المشايخ : إذا حدث العارف عن المعارف « 6 » ، فجهلوه ، فإن الأخبار عن المنازل دون المعارف . ومن غلب علمه منازلته فهو صاحب علم ، لا صاحب سلوك .
--> ( 1 ) أي في خرقهم . ( 2 ) أي الطلب . ( 3 ) أي لا ينبغي له أن يطلب منه تكرار ما انشده . ( 4 ) أي أسباب الظهور . ( 5 ) أي منزلته . ( 6 ) أي المعلوم .